ورحل.. صوت السكينة ورفيق العلماء

الرياض - إبراهيم الأنصاري 2026.01.24 | 04:50 pm

بذات الهدوء الذي سكن نبراته لعقود، وبنفس الطمأنينة التي بثَّها في بيوت المستمعين عبر أثير إذاعة القرآن الكريم، ترجل المذيع عبد الكريم بن صالح المقرن عن الوسط الإعلامي، مخلفًا وراءه صمتًا مهيبًا في استديوهات الإذاعة التي ألفته شابًا طموحًا حتى شاب شعره على الأثير.
المقرن الذي دفن السبت في مدينة الرياض، لم يكن مجرد مذيع يقرأ الأسئلة، بل كان جسرًا يربط بين حيرة السائل وحكمة العالم، منذ أن تخرج في أول دفعة لقسم الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1405هـ، ليبدأ رحلة جعلت منه «رفيق العلماء»، فكان صوته الرخيم الذي يستهل به اللقاءات بعبارته الشهيرة «الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على قائد الغر المحجلين» إشارة انطلاق لمجالس العلم التي تجاوزت حدود الجغرافيا، لتستقر في وجدان المستمعين من شتى الأصقاع.
عرفه الكثير من خلال برنامجيّ "نور على الدرب" و"فتاوى"، ونشأ المقرن في بيئة نجدية، وتشرب من صغره حب اللغة والأدب، مما صقل موهبته الإذاعية مبكراً، وجعله يلفت أنظار أساتذته في الجامعة كواحد من أنجب طلاب الدفعة التي وضعت اللبنات الأولى للإعلام الديني الأكاديمي في السعودية.
لم يأتِ نجاح المقرن من فراغ، بل كان نتاج ملازمة طويلة لكبار الفقهاء، وبدأت ملامح مسيرته تتشكل بوضوح بعد وفاة المذيع سليمان الشبانة، حينما تسلم راية التقديم مع سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز، وقرأ عليه كتاب "المنتقى" للمجد ابن تيمية في جلسات شرح وتعليق، سجلت أدق تفاصيل العمل الإعلامي المتخصص، ليمضي بعدها أربعة عشر عاماً في رحاب الشيخ محمد بن صالح العثيمين، موثقاً تلك التجربة العميقة في كتابه الشهير "14 عاماً مع ابن عثيمين"، الذي لم يكن مجرد سيرة ذاتية بقدر ما كان توثيقاً لمنهجية التعامل مع الكبار.
وعرف المقرن في كواليس العمل الإذاعي بدقته المتناهية وحرصه على السمت والوقار، وهو ما جعله الخيار الأول للعلماء مثل الشيخ صالح بن غصون والشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، حيث تحولت علاقته بهم من مجرد محاور رسمي إلى تلميذ ومؤرخ لمواقفهم الإنسانية التي دونها في مؤلفاته، حتى أنه كان يحرص في حواراته القليلة على التأكيد بأن المذيع الناجح هو من يذوب في حضرة العالم ليبرز الفائدة لا ليبرز نفسه، وهو المبدأ الذي طبقه طيلة مسيرته التي امتدت لأكثر من أربعين عاماً ليبقى أثره ممتداً.
رغم رحيله عن عمر ناهز السبعين عاماً، قضى أواخرها في صراع صامت مع المرض، دون أن تفارق مخيلته تلك الليالي التي كان يصدح فيها صوته بالحق، مرشداً للحائرين ومعلماً للجاهلين، في مسيرة توقفت فيها الأنفاس لكن صداها سيبقى يتردد في أروقة الذاكرة الإعلامية السعودية.